سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

297

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

بجيش الرهبة قبل أن يشيموا بروق سيوفهم ولمعان أسنتهم ، بل قبل أن تصل إلى تخومهم أطراف جحافلهم ! ! أقول ولا أخشى واهما ينازعني فيما أقول إنه من بداية تاريخ الاجتماع البشري إلى اليوم ما وجد فاتح عظيم ولا محارب شهير نبت في أوسط الطبقات ثم رقي إلى أعلى الدرجات فذللت له الصعاب وخضعت الرقاب وبلغ من بسطة الملك ما يدعو إلى العجب ويبعث الفكر لطلب السبب إلا كان معتقدا « بالقضاء والقدر » . سبحان اللَّه ! الإنسان حريص على حياته ، شحيح بوجوده على مقتضى الفطرة والجبلة فما الذي يهوّن عليه اقتحام المخاطر وخوض المهالك ومصارعة المنايا إلا الاعتقاد بالقضاء والقدر وركون قلبه إلى أن المقدّر كائن ولا أثر لهول المظاهر ! ! أثبتت لنا التواريخ أن كورش الفارسي « كيخسرو » وهو أول فاتح يعرف في تاريخ الأقدمين ما تسنى له الظفر في فتوحاته الواسعة إلا لأنه كان معتقدا بالقضاء والقدر ، فكان لهذا الاعتقاد لايهوله هول ولا توهن عزيمته شدة ، وإن إسكندر الكبير المكيدوني كان ممن رسخت في نفوسهم هذه العقيدة الجليلة ، وجنكيزخان التتري صاحب الفتوحات المشهورة كان من أرباب هذا العتقاد ، وكان نابليون الأول بونابرت الفرنسي من أشد الناس تمسكا بعقيدة القضاء وهي كانت تدفعه بعساكره القليلة على الجماهير الكثيفة الكثيرة فيتهيأ له الظفر وينال بغيته من النصر ويقتحم المهالك ويتعرض للموت ولا يبالي ، فنعم الاعتقاد الذي يطهر النفوس الإنسانية من رذيلة الجبن وهو أول عائق المتدنس به عن بلوغ كماله في طبقة أيا كانت نعم إنا لا ننكر أن هذه العقيدة قد خالطها في نفوس بعض العامة من المسلمين شوائب من عقيدة الجبر وربما كان هذا هو السبب في رزيئتهم ببعض المصائب التي أخذتهم بها الحوادث في العصور الأخيرة ، ورجاؤنا في الراسخين من علماء العصر أن يسعوا جهدهم في تخليص هذه العقيدة الشريفة من بعض ما طرأ عليها من لواحق البدع ويذكروا العامة بسنن السلف الصالح وما كانوا يعملون وينشروا بينهم ما أثبتته الأئمة - رضي اللَّه عنهم - كالشيخ الغزالي وأمثاله من أن التوكل والركون إلى القضاء إنما طلبه الشرع منا في العمل لا في البطالة والكسل وما أمرنا اللَّه أن نهمل فروضنا وننبذ ما أوجب علينا بحجة التوكل عليه ، فتلك حجة المارقين عن